الشيخ عبد الغني النابلسي

284

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

الأغراض النفسية والطبيعة البشرية ولهذا رفعه اللّه تعالى إلى قلب الأفلاك يعبد اللّه تعالى مع الملائكة عليهم السلام بالتسبيح والتقديس . * * * فكان الحقّ فيه منزّها ، فكان على النّصف من المعرفة باللّه ، فإنّ العقل إذا تجرّد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره ، كانت معرفته باللّه على التّنزيه لا على التّشبيه . وإذا أعطاه اللّه المعرفة بالتّجلّي كملت معرفته باللّه ، فنزّه في موضع وشبّه في موضع . ورأى سريان الحقّ في الصّور الطّبيعيّة والعنصريّة . وما بقيت له صورة إلّا ويرى عين الحقّ عينها . وهذه المعرفة التّامّة الّتي جاءت بها الشّرائع المنزلة من عند اللّه وحكمت بهذه المعرفة الأوهام كلّها . ولذلك كانت الأوهام أقوى سلطانا في هذه النّشأة من العقول ، لأنّ العاقل ولو بلغ من عقله ما بلغ لم يخل عن حكم الوهم عليه والتصوّر فيما عقل . فكان الحق تعالى ظاهرا فيه ، أي في إدريس عليه السلام منزها عن كل ما لا يليق به سبحانه تنزيها تاما من غير تشبيه أصلا . فكان إدريس عليه السلام الذي هو إلياس على النصف من المعرفة باللّه تعالى والنصف الآخر سبق ذكره في الفص الإدريسي ، فكانت معرفته كمعرفة الملائكة باللّه تعالى ، ولهذا يسبحونه ويقدسونه ولا يفترون عن ذلك لأنهم عقول مجرد فإن العقل إذا تجرد عن الشهوة لنفسه من حيث أخذه العلوم الإلهية عن نظره وفكره كانت معرفته باللّه تعالى على جهة لتنزيه فقط لا على جهة التشبيه بالصور الظاهرة له وإذا أعطاه ، أي العقل اللّه تعالى المعرفة بالتجلي في الصورة المحسوسة والمعقولة والموهومة كملت معرفته ، أي العقل باللّه تعالى حينئذ . فنزه اللّه تعالى في موضع يقتضي التنزيه لوروده في الشرع وشبه أيضا اللّه تعالى في موضع آخر يقتضي التشبيه لوروده في الشرع ورأى ، أي ذلك العقل بعين بصيرته سريان الحق تعالى بالوجود المطلق الحقيقي ظاهرا في الصور الطبيعية الروحانية والصور العنصرية الجسمانية وما بقيت له ، أي للعقل